الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

38

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

على الرغم من أن الواقعة - التي ذكرت سببا لنزول الآيات الأخيرة - تحدثت عن شخصين هما ( عبادة بن الصامت " و " عبد الله بن أبي " إلا أن مما لا شك فيه أن هذين الشخصين لا يشار إليهما باعتبارهما شخصيتين تاريخيتين - فحسب - بل لأنهما يمثلان مذهبين فكريين واجتماعيين . يدعو أحدهما إلى التخلي عن التعاون والتحالف مع الغرباء ، وعدم تسليم زمام المسلمين بأيديهم ، وعدم الثقة بتعاونهم . والمذهب الآخر يرى أن كل انسان أو شعب في هذه الدنيا المليئة بالمشاكل والأهوال يحتاج إلى من يتكئ ويعتمد عليه ، وأن الحاجة تدعو أحيانا إلى انتخاب الدعم والسند من بين الغرباء بحجة أن الصداقة معهم لا تخلو من قيمة وفائدة ، ولابد أن تظهر ثمارها في يوم من الأيام . وقد دحض القرآن الكريم رأي المذهب الثاني بشدة ، وحذر المسلمين بصراحة من مغبة الوقوع والتورط في نتائج مثل هذا النوع من التفكير ، لكن البعض من المسلمين - ومع الأسف - قد نسوا وتجاهلوا هذا الأمر القرآني العظيم ، فانتخبوا من بين الغرباء والأجانب من يعتمدون عليهم ، وقد أثبت التأريخ أن كثيرا من النكبات التي أصابت المسلمين تنبع من هذا الاتجاه الخاطئ ! وبلاد الأندلس تعتبر دليلا حيا وبارزا على هذا الأمر ، وتظهر كيف أن المسلمين بالاعتماد على قواهم الذاتية - استطاعوا أن يبنوا أكثر الحضارات ازدهارا في الأندلس - أسبانيا اليوم - لكنهم نتيجة لاعتمادهم على قوى غريبة أجنبية فقدوا تلك المكتسبات العظيمة بكل سهولة . والأمبراطورية العثمانية التي سرعان ما ذابت كذوبان الجليد في الصيف ، تعتبر دليلا آخر على هذه الدعوى . كما أن التأريخ المعاصر يشهد على ما أصاب المسلمين من خسائر ومصائب كبيرة بسبب انحرافهم عن رسالتهم واعتمادهم في كثير من الأمور على الأجانب